محمد سعيد رمضان البوطي
102
فقه السيرة ( البوطي )
مشقة أو جهد ، لطمع أصحابه والمسلمون من بعده بأن يستريحوا كما استراح ، ولا ستثقلوا المصائب والمحن التي قد يجدونها في طريقهم إلى الدعوة الإسلامية . أما ، والحالة هذه ، فإن مما يخفف وقع المحنة والعذاب على المسلمين شعورهم أنهم يذوقون مما ذاقه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنهم يسيرون في الطريق ذاتها التي أوذي فيها رسول اللّه . ومهما أصابهم من ألم السخرية بهم وإهانة الناس لهم ، فإن ذلك لا يفتّ في عضدهم بعد أن رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ألقي التراب في السوق على رأسه حتى اضطر أن ينقلب إلى بيته لتقوم إحدى بناته فتغسل عن رأسه التراب ، مع أنه حبيب اللّه وصفوته من خلقه ، وسنجد في هجرته صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف وما لاقاه إذ ذاك ما يجعل المسلمين يستسهلون كل محنة وعذاب في سبيل أن يضربوا مع رسولهم بنصيب مما قاساه وعاناه في سبيل الدعوة الإسلامية . هذا شيء ، والشيء الآخر الذي يتعلق بهذا المقطع من سيرته عليه الصلاة والسلام هو أن بعض الناس يحسبون أن سبب تسمية الرسول لهذا العام عام الحزن إنما هو مجرد فقده صلى اللّه عليه وسلم لعمه أبي طالب وزوجته خديجة بنت خويلد ، وربما استساغوا إقامة علائم الحزن والحداد على موتاهم مدة طويلة من الزمن مستدلين بهذا . والواقع أن هذا خطأ في الفهم والتقدير ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم لم يحزن على فراق عمه وفراق زوجه ذلك الحزن الشديد ، ولم يطلق على تلك السنة : عام الحزن ، لمجرد أنه فقد بعض أقاربه فاستوحش لفقدهم ، بل سبب ذلك ما أعقب وفاتهما من انغلاق معظم أبواب الدعوة الإسلامية في وجهه ، فقد كانت حماية عمه له تترك مجالات كثيرة للدعوة وسبلا مختلفة للتوجيه والإرشاد والتعليم . . وكان يرى في ذلك بعض النجاح في العمل الذي أمره به ربه . أما بعد وفاته ، فقد سدّت في وجهه تلك المجالات ، فمهما حاول وجد صدا وعدوانا ، وحيثما ذهب وجد السبل مغلقة في وجهه ، فيعود بدعوته كما ذهب بها ، لم يسمعها أحد ولم يؤمن بها أحد ، بل الكل ما بين مستهزىء ومعتد ، ومتهكم به ، فيحزنه أن يعود وهو لم يأت من الوظيفة التي كلفه اللّه بها بنتيجة ، فمن أجله سمى ذلك العام عام الحزن . بل لقد كان حزنه على أن لا يؤمن الناس بالحق الذي جاء به ، شيئا غالبا على